وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
انتقل الخطاب من نفي الموافقة من جهته ﷺ إلى نفيها من جهتهم؛ والمعنى: ولستم عابدين المعبود الذي أعبده، ولا أنتم على وشك ذلك ولا في طريقه. وقرر أهل التفسير أن المشركين وإن أقروا بالله وحجوا بيته ولبّوا باسمه، فإنهم لم يكونوا عابدين له في الحقيقة؛ لأنهم أشركوا معه غيره، وعبادة مقرونة بالشرك ليست عبادة لله؛ إذ العبادة إنما تصح بشرطها، وشرطها الإخلاص. وأشار القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه السورة إلى أن نفي الوصف عنهم مع وجود صورة الفعل منهم مبني على أن المعتبر حقيقة العمل لا هيئته. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن {مَا أَعْبُدُ} يراد به المعبود سبحانه، وذهب آخرون إلى أنه يراد به نوع العبادة التي يعبد الله بها؛ أي: ولا أنتم مؤدون عبادتي الخالصة؛ والمعنيان صحيحان لا تدافع بينهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء النفي في هذه الآية بالجملة الاسمية بعد أن جاء في التي قبلها بالجملة الفعلية؛ وهذا التقابل هو عمود النظم في السورة. فامتناعه ﷺ عُبّر عنه بالفعل لأنه موقف يتجدد بتجدد العرض، وإصرارهم عُبّر عنه بالاسم لأنه وصف لازم قد رسخ فيهم واستقر؛ فلم يكن التعبيران على وتيرة واحدة عبثاً بل لاختلاف الحالين المعبَّر عنهما. ثم إن اقتران النفيين ــ من جهته ومن جهتهم ــ ضروري لتمام المفاصلة؛ إذ لو اقتُصر على نفي جانبه لبقي في العرض بقية: أن يعبدوا هم إلهه دون أن يعبد آلهتهم؛ فجاءت هذه الآية لتغلق هذا الباب أيضاً؛ فصار الانفصال من الطرفين معاً.