قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
افتتحت السورة بأمر الله نبيه ﷺ أن يواجه المساومين على الدين بجواب مقطوع لا يحتمل مراجعة. وسبب نزولها ــ كما ذكره أهل التفسير ــ أن نفراً من صناديد قريش عرضوا على رسول الله ﷺ أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة، ليجتمعوا على أمر وسط بينهم؛ فأنزل الله هذه السورة قطعاً لهذا الباب. وقد نقل الطبري في جامع البيان عند مفتتح تفسير السورة هذا المعنى عن أهل التأويل، وذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند مفتتحها؛ ومدار الروايات على معنى واحد وإن اختلفت في تعيين أسماء العارضين. والمراد بـ{الْكَافِرُونَ} عند جمهور المفسرين أولئك النفر الذين ساوموا وأمثالهم ممن سبق في علم الله أنه لا يؤمن؛ ولذلك لم يكن في السورة نداء عام لكل كافر إلى يوم القيامة على وجه القطع بمصيره، وإنما هو خطاب لمن قام به هذا الوصف حال المخاطبة. وقد ثبت في فضلها ما رواه أبو داود في سننه في كتاب الأدب، والترمذي في جامعه، والنسائي في سننه، وأحمد في مسنده، من حديث نوفل بن معاوية الأشجعي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ثم نم على خاتمتها؛ فإنها براءة من الشرك». وروى مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها أنه ﷺ كان يقرأ بها مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في ركعتي الفجر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تصدير السورة بالأمر {قُلْ} قبل أي نفي أو إثبات هو المفتاح البنائي لها كلها؛ لأن الموقف المطلوب ليس رأياً يُبدى بل حكماً يُبلَّغ، والفرق بينهما أن الرأي يقبل التفاوض والحكم لا يقبله. ولو أُلقي الجواب بلا {قُلْ} لبقي في نفوس المساومين أن الأمر إلى النبي ﷺ فيمكن استعطافه؛ فجاء اللفظ ليسد هذا المدخل قبل فتحه. ثم إن تقديم النداء على مضمون الجواب ترتيب مقصود: تعيين المخاطب أولاً بوصفه، ثم إلقاء الحكم عليه ثانياً؛ فلا يتوهم أحد أن الجواب موجه إلى غير من عرض. وموقع السورة بعد الكوثر ظاهر المناسبة؛ فمن أُخبر أنه أُعطي الكثير لم يبق في نفسه فقر إلى ما يعرضه العارضون.