وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
أعيدت هذه الجملة بلفظها الأول؛ والمعنى عند أئمة التفسير: ولستم في المستقبل بعابدين المعبود الذي أعبده، كما لم تكونوا عابدين له في الحال. وقد ذكر المفسرون أن في هذه الإعادة إخباراً بالغيب تحقق مصداقه؛ إذ مات أكثر أولئك النفر الذين نزلت فيهم على شركهم، فكان الخبر عنهم بأنهم لا يعبدون الله واقعاً كما أُخبر به؛ وهذا من دلائل النبوة الظاهرة في هذه السورة. وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الجملة الثانية مسوقة لتوكيد الأولى وقطع التردد فيها، وذهب آخرون إلى أن متعلقها غير متعلق الأولى؛ فالأولى في الحال والثانية في المآل والتأبيد. وقرر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه السورة أن هذا من التكرار الذي يراد به قطع أطماع القوم في المعاودة، وأن التكرار في مقام رد العرض المتكرر لا يكون لغواً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هنا موضع بيان حكمة التكرار في السورة، وهو أدق مباحثها. والذي عليه بناء السورة كلها أن مدار الفرق بين المقطعين هو اختلاف الزمن في صلة الموصول؛ فقد جاء في المقطع الثاني {مَا تَعْبُدُونَ} بصيغة المضارع، وجاء في المقطع الثالث {مَّا عَبَدتُّمْ} بصيغة الماضي؛ فالأوليان في الحال، والأخريان فيما مضى وما يستقبل؛ وبهذا استوعبت السورة الأزمنة الثلاثة، فلم يبق للمساوم زمن يلتمس فيه ثغرة. وعلى هذا الأصل ينتظم موقع هذه الآية: فهي في مقابلة الآية الثالثة كما كانت الرابعة في مقابلة الثانية؛ فالبناء مزدوج متوازٍ لا معاد.
وللعلماء في وجه التكرار أقوال أخرى تُذكر ولا تنقض هذا الأصل: