وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ
وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ
عاد النفي إلى جانبه ﷺ مرة أخرى، لكن على وجه غير الوجه الأول؛ فالمعنى عند أئمة التفسير: ولست بعابد فيما مضى ولا فيما يستقبل ما عبدتموه أنتم من الأصنام. وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي {عَبَدتُّمْ} بعد أن كان في الآية الثانية بصيغة المضارع {تَعْبُدُونَ}؛ وهذا الاختلاف في الزمن هو مدار المعنى في هذا الموضع، وبه يظهر أن الآية ليست تكراراً للثانية بلفظ آخر. وذهب جمهور المفسرين إلى أن الجملة الاسمية هنا مع اسم الفاعل {عَابِدٌ} تفيد نفي هذا الوصف عنه ﷺ على وجه الدوام والتأبيد؛ فلم يكن عابداً لها قط، ولن يكون. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه السورة أن العدول عن الفعل إلى اسم الفاعل في هذا الموضع منزَّل على إرادة نفي أصل الوصف لا نفي وقوعه في زمن بعينه؛ ونفي أصل الوصف أبلغ من نفي أفراده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي التي فتحت الزمن الثالث في السورة؛ فبعد أن استُوعب الحاضر في الآية الثانية والثبوت في الثالثة، جاء هذا الموضع ليستوعب الماضي بصيغة {عَبَدتُّمْ}، ويستوعب المستقبل بصيغة اسم الفاعل {عَابِدٌ}؛ فاجتمع في الآية الواحدة قطع الحبل من طرفيه. ووجه اقتضاء المقام لذلك ظاهر: أن العارضين ربما قالوا: إنك نشأت بيننا وشهدت مواسمنا، فلك بنا سابقة؛ فجاء نفي الماضي ليسد باب الاحتجاج بما قبل البعثة؛ وربما قالوا: فإن أبيتَ اليوم فلعلك تلين غداً؛ فجاء اسم الفاعل الدال على الثبوت لينفي أن يكون هذا الوصف لاحقاً به في أي زمن. وبهذا يتضح أن المقطع الثالث في السورة ــ وهو هذه الآية والتي بعدها ــ ليس إعادة للمقطع الثاني، بل هو استئناف لجهة أخرى من جهات الزمان.