إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): افتتح الله سبحانه هذه السورة بجملة شرطية تُعلق ما بعدها بوقوع أمرين: نصر ينسبه إلى نفسه، وفتح يعرِّفه بالألف واللام. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بـ{الْفَتْحُ} فتح مكة؛ وهو الفتح الأعظم الذي دانت به العرب، وانحلت عنده عقدة المعاندة، وقالت القبائل: إن ظفر محمد بقومه فهو نبي؛ فلما ظفر بهم أقبلوا على الإسلام أفواجاً. وقال بعض أهل التأويل: المراد بالفتح جنس الفتوح التي فتحها الله على رسوله ﷺ؛ والأول أظهر وعليه عامة أهل التفسير؛ لأن اقتران الفتح بدخول الناس أفواجاً لا ينطبق إلا على فتح مكة.
وقد روى البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير عند تفسير هذه السورة وفي كتاب المغازي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فسألهم: ما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟ فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا؛ وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا. قال: فما تقول؟ قال: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»؛ فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تعلم». وروى مسلم في صحيحه في كتاب التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «آخر سورة نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن تُبنى السورة كلها على جملة شرطية واحدة: آيتان للشرط وآية للجواب؛ فلا يستقل شيء منها بمعنى تام دون بقيتها. وفي هذا البناء إحكام بديع؛ إذ لا يمكن أن يُتلى مطلع السورة دون أن تنشأ في النفس مسألة: فماذا يكون إذا جاء النصر؟ فيبقى السامع معلقاً حتى يبلغ الجواب في الآية الثالثة، فيقع فيه موقعاً أشد مما لو أُلقي ابتداءً.
وقُدِّم النصر على الفتح لأن النصر سبب والفتح نتيجة؛ فالتأييد الإلهي أولاً، ثم انفتاح ما كان مغلقاً ثانياً. وأُضيف النصر إلى لفظ الجلالة ولم يُعرَّف بالألف واللام كما عُرِّف الفتح؛ لأن المقام مقام قطع الدعاوى في نسبة الظفر إلى الأسباب؛ فأول ما استقبل به السامعُ الخبرَ أن النصر لله لا لأحد سواه. أما الفتح فعُرِّف بالعهد؛ لأنه أمر مترقب معروف بينهم قد تحدثوا عنه وانتظروه، فناسبه التعريف العهدي.
وموقع السورة من التي قبلها ظاهر: فقد ثبت النبي ﷺ على المفاصلة في سورة الكافرون يوم القلة، فجاءت هذه السورة تخبر بثمرة ذلك الثبات يوم الكثرة.