إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بالإخبار عن عطائه لرسوله ﷺ عطاءً موصوفاً بالكثرة الغالبة. وأصح ما فُسِّر به «الكوثر» ما جاء تفسيره في السنة من أنه نهر في الجنة أعطاه الله نبيه ﷺ؛ فقد روى مسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أُغفي إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقال: «أُنزلت عليّ آنفاً سورة»، فقرأ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} إلى آخرها، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة». وروى البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق في ذكر الحوض وفي كتاب التفسير عند تفسير هذه السورة، عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في الكوثر: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة». وذهب جماعة من السلف إلى أنه الخير الكثير الذي أُعطيه النبي ﷺ في الدنيا والآخرة؛ وروى الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه»، وأن سعيد بن جبير لما رُوجع بأن ناساً يقولون هو نهر في الجنة قال: «النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه». وبهذا يزول التعارض بين القولين؛ إذ نهر الجنة فرد من أفراد الخير الكثير وأشرفها، والتفسير بالسنة مقدَّم في التعيين، والتفسير بالخير الكثير جارٍ على مقتضى اللفظ في اللغة. ودخل في هذا الخير: النبوة، والقرآن، والشفاعة، والمقام المحمود، وكثرة الأمة، ورفع الذكر، وبقاء الأثر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى مقام السورة أن يُصدَّر الخطاب بالعطاء لا بالرد؛ لأن الطعن الذي وُوجه به النبي ﷺ كان في صورة نقص لحقه، والنقص لا يُدفع بمثله بل بإثبات ضده. فبدأ الكلام بجملة اسمية مؤكدة بـ{إِنَّ}، وبفعل ماضٍ يفيد تحقق الوقوع لا مجرد الوعد، وبضمير العظمة الذي يُشعر أن المعطي هو الذي لا يُعجزه شيء؛ فاجتمعت في الآية الواحدة ثلاثة مؤكدات قبل أن يُذكر المعطى نفسه.
ثم إن ترتيب السورة على هذا النسق ــ عطاء، فشكر، فحكم على الخصم ــ ترتيب لا يقبل التقديم والتأخير: فالأمر بالصلاة والنحر لا يستقيم إلا بعد تقرير النعمة التي يُشكر عليها، والحكم على الشانئ لا يقع موقعه إلا بعد أن يستقر في النفس أن المرمي بالقلة صاحب الكثرة. ومن جهة أخرى فإن الآية جاءت عقب سورة الماعون التي ختمت بمنع الماعون، فافتتحت هذه بإعطاء الكوثر؛ فالمنع في خاتمة تلك يقابله العطاء في فاتحة هذه.