تحرير موضع النزاع
وقع خلاف شهير بين الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والقراء في شأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: هل هي آية تامة ومعدودة من سورة الفاتحة ومن كل سورة، أم هي آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور والتبرك وليست جزءاً من الفاتحة، أم ليست آية إلا في سورة النمل؟
مذاهب الأئمة الفقهاء وأدلتهم الإسنادية
- مذهب الشافعية (ورواية عن الإمام أحمد):
- القول: البسملة آية كاملة معدودة من سورة الفاتحة لا تصح الفاتحة ولا تصح الصلاة إلا بقراءتها كاملة، وهي آية من أول كل سورة في القرآن (سوى سورة براءة).
- الأدلة المسندة:
- ما رواه الترمذي في جامعه (كتاب القراءات، ح ٢٩٢٧) وأبو داود في سننه (ح ٤٠٠١) وأحمد في مسنده (ح ٢٦٥٨٣) بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وعدها آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آية ثانية، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية ثالثة، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آية رابعة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آية خامسة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية سادسة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية سابعة».
- حديث نعيم المُجْمِر في صحيح البخاري (ح ٧٣٤) قال: «صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن... ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ».
- ثبوت كتابتها بخط الصحابة في المصحف الإمام في مطلع الفاتحة وسائر السور بأمر عثمان رضي الله عنه، وما لم يكن قرآناً لم يُثبت بين الدفتين.
- مذهب الحنفية والحنابلة (المعتمد عند أحمد):
- القول: البسملة آية مستقلة من كتاب الله أنزلت للفصل بين السور وللتبرك والافتتاح، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وتسن قراءتها سراً في الصلاة قبل الفاتحة في كل ركعة.
- الأدلة المسندة:
- ما أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ح ٧٤٣) ومسلم (كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، ح ٣٩٩) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صليت مع رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم».
- وفي رواية مسلم الصريحة (ح ٣٩٩): «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم، في أول قراءة ولا في آخرها».
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم (ح ٣٩٥) في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين... فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي... ولم يذكر البسملة في القسمة»، فدل على أن مبدأ الفاتحة هو الحمد لله رب العالمين.
- مذهب المالكية:
- القول: البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من أوائل السور (إلا بعض آية في سورة النمل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)، وتكره قراءتها في الفريضة جهراً وسراً عند قدماء المالكية، وتستحب في النوافل.
- الدليل: عمل أهل المدينة المتصل بنقل الكافة عن الكافة بافتتاح القراءة في مسجد رسول الله ﷺ بالحمد لله رب العالمين مباشرة، وحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم (ح ٤٩٨): «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾».
توجيه القراءات العشر في عدّ آيات الفاتحة
- أجمع المسلمون إجماعاً قطعياً لا خلاف فيه على أن سورة الفاتحة سبع آيات؛ ثم اختلف القراء في موضع الآيات بناءً على البسملة:
- عدّ المكي والكوفي: عدّوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية الأولى، وجعلوا الآية السادسة تنتهي عند ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسابعة هي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بكاملها.
- عدّ المدنيين والبصري والشامي: لم يعدّوا البسملة آية من الفاتحة، وجعلوا الآية الأولى هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقسموا الآية الخاتمة إلى آيتين: الآية السادسة تنتهي عند ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة هي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
- الخلاصة التحقيقية: الخلاف لفظي لا يقدح في تواتر القرآن؛ فالبسملة آية محكمة من كتاب الله، كُتبت بأمر النبي ﷺ ومصحف عثمان، وقراءتها سراً مخرج من الخلاف وموافق لجمهرة السنن والآثار.