تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
لما ذكر فضل الليلة بالمقايسة الزمنية أتبعه ببيان ما يجري فيها من الحركة العلوية. والمعنى: تنزل ملائكة السماوات في هذه الليلة إلى الأرض بإذن ربهم بكل ما قُدّر وقُضي فيها. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بـ {الرُّوحِ} هنا جبريل عليه السلام؛ خُصّ بالذكر بعد العموم تشريفاً له ورفعاً لمنزلته، كما خُص في مواضع أخرى من التنزيل. وقيل: الروح خلق من خلق الله ليسوا بملائكة لهم صفة تخصهم؛ وقيل غير ذلك؛ والأول قول الجمهور وعليه المعوّل. وقد قرر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أولى الأقوال أن يكون المراد بالروح جبريل، لجريان ذلك في القرآن. وأما {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} فمعناه عند جمهور المفسرين: بكل أمر من الأوامر والمقادير، فتكون «من» بمعنى الباء؛ وقيل: من أجل كل أمر قُضي في تلك السنة؛ وقيل: التقدير «من كل أمر سلام»، فيتصل بالآية بعدها. وتعضد هذه الآية قوله تعالى في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}؛ فيتحدد بالمجموع أن الليلة ليلة فرق وتقدير وتنزل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت هذه الآية مع ما قبلها انتظام العلة مع المعلول. فلما قيل: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تشوّف السامع إلى وجه هذه الخيرية؛ فجاء الجواب: لأن السماء تُفتح فيها فتتنزل الملائكة والروح. فليس الفضل مجرد حكم مقرر بلا سبب مبين، بل هو مبني على حقيقة كونية تقع في الليلة. وقُدّم في الترتيب ذكر النازل {الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} على ذكر الإذن {بِإِذْنِ رَبِّهِم} على ذكر المنزَّل به {مِّن كُلِّ أَمْرٍ}؛ وهو ترتيب مطابق لترتيب المشهد في الحس: يُرى النازل أولاً، ثم يُعلم أنه بإذن، ثم يُعرف ما نزل به. ثم مهدت هذه الآية للخاتمة؛ إذ إذا امتلأت الأرض بالملائكة فما ثمرة ذلك؟ فجاء الجواب: {سَلَامٌ هِيَ}.