لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
هذا هو الجواب المنتظر بعد التفخيم، وفيه بيان لطرف من قدر هذه الليلة بمقياس يدركه المخاطب وهو مقياس الزمن. والمعنى عند جمهور المفسرين: أن العمل الصالح في هذه الليلة الواحدة خير عند الله وأعظم أجراً من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر؛ والألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في المفاضلة، ومدارها على أن التفضيل واقع في الأجر والبركة لا في مجرد امتداد الزمان. وذكر بعض المفسرين في سبب هذا التخصيص أن النبي ﷺ ذُكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك واستقلوا أعمالهم في جنب أعمار من مضى، فأعطاهم الله هذه الليلة عوضاً؛ وهذا مروي عند أهل التفسير في تعليل المقدار، والمعتمد في تقرير الفضل هو نص الآية نفسها. ويشهد لثمرة هذا الفضل عملاً ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الصوم ومسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضعها الطبيعي جواباً لما علّقه الاستفهام. وأُعيد فيها المبتدأ ظاهراً {لَيْلَةُ الْقَدْرِ} ولم يُضمر؛ ليكون الحكم مصرحاً بمحله لا محالاً على ضمير؛ فيستقل الكلام بنفسه ويصلح أن يُنقل مفرداً. وفي ترتيب البيان دقة: بدأ بالمقايسة الزمنية قبل ذكر تنزل الملائكة والسلام؛ لأن المقايسة بالعدد أقرب إلى إدراك المخاطب من وصف ما يجري في الملأ الأعلى؛ فرُقّي به من المحسوس المعقول إلى الغيب المحض. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها؛ فإن السامع إذا علم أن ليلة تعدل ألف شهر تشوّف إلى معرفة سبب هذا الفضل، فجاءت الآية التالية تكشف عنه: تنزل الملائكة والروح.