وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
هذا استفهام خرج عن حقيقته إلى التفخيم والتعظيم؛ والمعنى عند أئمة التفسير: وأيّ شيء أعلمك يا محمد ما ليلة القدر؟ أي إن شأنها أعظم من أن يبلغه علمك لولا أن الله أعلمك به. وقد قرر أهل العلم بأساليب القرآن قاعدة مطردة في الفرق بين صيغتين: كل ما جاء في التنزيل بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعقبه الله ببيانه للنبي ﷺ، وكل ما جاء بلفظ {وَمَا يُدْرِيكَ} فقد طُوي علمه ولم يُبيَّن؛ كقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية هذا الوجه في الفرق بين الصيغتين. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا التركيب من مصطلحات القرآن في تهويل شأن ما بعده، وأنه يقتضي أن المستفهَم عنه بلغ من العظم مبلغاً لا تناله المدارك بالنظر المجرد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع الفاصل بين الإجمال والتفصيل. فلما ذكر في الآية الأولى أن الإنزال كان في ليلة القدر، وكان اسم الليلة مشعراً بفضل مبهم، احتيج إلى ما يهيئ النفس لتلقي البيان؛ فجاء الاستفهام التفخيمي يقطع على العقل أن يقدّر الفضل بمقاييسه المعتادة، ويعلّق قلبه بجواب لم يأت بعد. وهذا من أدق أساليب البناء الخطابي: أن يُحدث في السامع فراغاً قبل أن يملأه. ثم إن هذا التعليق لم يطل، بل جاء الجواب في الآية التالية مباشرة؛ فكان الإبهام بمقدار ما يوقظ لا بمقدار ما يُتعب. وتكرار لفظ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ} في هذه الآية مع إمكان الإضمار — أن يقال: وما أدراك ما هي — من تمام هذا البناء؛ إذ الإظهار في موضع الإضمار يثبّت الاسم في السمع ويزيده مهابة.