قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
افتُتحت السورة بالأمر بالقول كما افتُتحت أختها الفلق وسورتا الإخلاص والكافرون؛ والمعنى عند أئمة التفسير: قل يا محمد ــ ويقول معك كل من بلغه الخطاب ــ ألتجئ وأعتصم وأستجير بربّ الناس. فالاستعاذة عبادة متلقاة عن الوحي في لفظها ووجهتها، لا تُبتكر بالرأي ولا تُطلب عند كاهن ولا ساحر. وقد جاء في فضل هذه السورة وأختها ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} وَ{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}». وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه السورة من حديثه رضي الله عنه أن النبي ﷺ أقرأه المعوّذتين ثم قال: «مَا سَأَلَ سَائِلٌ بِمِثْلِهِمَا، وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِمَا». وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه السورة أن هذه الأوصاف الثلاثة إنما قُدّمت بين يدي الاستعاذة توسلاً إلى الله بها؛ إذ كل وصف منها يقتضي جهة من جهات دفع المستعاذ منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ابتُدئت السورة بتعيين الملجأ قبل ذكر المستعاذ منه؛ وهذا ترتيب مقصود: فإن تقرير القدرة على الدفع مقدّم على وصف الخطر؛ إذ لو ذُكر العدو أولاً لأوقع في النفس روعاً قبل أن تستقر فيها الطمأنينة؛ فبُدئ بما يثبّت القلب ثم عُقّب بما يُحذَّر منه. ثم إن اختيار وصف الربوبية أولاً موافق لترتيب المعرفة في النفس؛ فأول ما يدرك العبد من ربه أثر تربيته وإنعامه عليه في خلقه ورزقه وحفظه؛ فمن هذا الباب المألوف يدخل إلى ما بعده من وصفي الملك والألوهية. وهي في مقابلة مطلع سورة الفلق {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}؛ فهناك أُضيفت الربوبية إلى مخلوق مشهود في الآفاق، وهنا أُضيفت إلى المخلوق المخاطَب نفسه؛ لأن الشر هناك خارج عنه وهنا واقع في صدره.