الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
هذه الآية بيان لعمل المستعاذ منه ومحل أثره؛ والمعنى عند أئمة التفسير: الذي يلقي في صدور الناس ما يفسد عليهم دينهم ودنياهم من الخواطر الرديئة والشكوك والشهوات، إلقاءً خفياً لا يُدرَك بحاسة. وخُصّت الصدور بالذكر لأنها موضع القلوب، والقلب هو محل العقد والإرادة والتصور؛ فمن ملك الصدر ملك ما وراءه من الجوارح. وقد ثبت في بيان قرب هذا العدو من ابن آدم ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتكاف، ومسلم في صحيحه في كتاب السلام، من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»؛ فدلّ على شدة اتصاله ولطف مدخله. وقد بيّن النبي ﷺ علاج هذه الوسوسة حين تعرض في أدق مسائل الاعتقاد، فأخرج البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»؛ فجعل الدواء الالتجاء والإعراض لا المجادلة والاسترسال.
جاءت الصلة بعد الاسم والوصف لتتم بها المعرفة بالعدو؛ فقد عُرّف في الآية قبلها بحقيقته ووصفه اللازم، وعُرّف هنا بفعله وموضع عمله؛ إذ لا يكفي في الاحتراز أن يعلم المرء اسم عدوه حتى يعلم من أين يدخل عليه. واختير لفظ {صُدُورِ} دون «قلوب»؛ لأن الصدر وعاء القلب وما يحيط به من الخواطر قبل أن تستقر؛ فالوسوسة ترد على الصدر أولاً، فإن ردّها العبد لم تبلغ القلب، وإن استرسل معها تمكّنت؛ ففي اختيار اللفظ إشعار بأن للعبد فرصة الدفع قبل الاستقرار. ثم إن هذه الآية ممهدة للآية بعدها؛ فإنه لما ذكر أن محل الوسوسة صدور الناس، احتيج إلى بيان أن الموسوِس قد يكون من جنسهم كما يكون من الجن؛ فجاء الختام كاشفاً عن ذلك.