إِلَٰهِ النَّاسِ
إِلَٰهِ النَّاسِ
هذا هو الوصف الثالث والأعلى من أوصاف المستعاذ به؛ والمعنى عند أئمة التفسير: معبود الناس الذي لا تصلح العبادة إلا له، وكل ما عُبد من دونه فباطل. وذهب أهل التفسير إلى أن ختم الأوصاف بالألوهية هو منتهى الترقي؛ لأن الربوبية والملك وصفان يقتضيان هذا الوصف ويفضيان إليه؛ إذ من ربّى وملك استحق أن يُعبد وحده. ونقل الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه السورة عن أهل التأويل أن هذه الأوصاف الثلاثة كلها لله وحده، وأن إضافتها إلى الناس على وجه بيان اختصاصهم به لا على وجه قصرها عليهم. ووجه ذكر الألوهية في مقام الاستعاذة من الوسواس أدقّ ما في السورة؛ فإن غاية ما يسعى إليه هذا العدو إفساد التوحيد وصرف العبد عن إفراد ربه بالعبادة؛ فذُكر الوصف الذي هو محل المنازعة ليعلم المستعيذ أنه يحتمي بعين ما يُراد سلبه منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية المقطع الأول من السورة، واستوفى الترقي غايته: من الربوبية التي يدركها العبد بأثر النعمة، إلى الملك الذي يدركه بنفوذ السلطان، إلى الألوهية التي هي ثمرة الأمرين وموجَبهما. وهذا الترتيب هو ترتيب الاستدلال في القرآن كله؛ إذ يُحتجّ على المشركين بإقرارهم بالربوبية على لزوم إفراده بالألوهية. ثم إن وقوع هذه الأوصاف الثلاثة بين يدي ذكر الوسواس تمهيد بالغ الدقة؛ فإن العدو يوسوس ليصرف عن الألوهية، فقُدّم إثباتها قبل ذكره؛ فكأن الحصن بُني قبل أن يُذكر المهاجم. ومن هنا تظهر مقابلة السورة لأختها؛ ففي الفلق وصف واحد لأن الشرور خارجية متعددة، وهنا ثلاثة أوصاف لأن الشر واحد لكنه يقصد أصل الدين.