مَلِكِ النَّاسِ
مَلِكِ النَّاسِ
هذا هو الوصف الثاني من أوصاف المستعاذ به؛ والمعنى عند أئمة التفسير: مالك الناس المتصرف فيهم بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، الذي لا يخرج أحد منهم عن سلطانه ولا يمتنع عليه بشيء. وذكر المفسرون أن الانتقال من وصف الربوبية إلى وصف الملك انتقال من العام إلى الخاص؛ فإن الربوبية عامة في كل مخلوق بالتربية والإمداد، والملك يزيد عليها معنى السلطان النافذ والقهر والتدبير؛ فليس كل من ربّى مالكاً متصرفاً. وقرر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير هذه السورة أن ذكر الأوصاف الثلاثة على هذا النسق تدرج في التعريف بالمستعاذ به؛ فقُدّم ما هو أظهر في حق العبد وأقرب إلى إدراكه، ثم رُقّي إلى ما هو أخصّ وأعلى. ووجه ذكر الملك في مقام الاستعاذة من الوسواس ظاهر؛ فإن العدو المستعاذ منه مملوك مقهور داخل تحت سلطان الله؛ فمن التجأ إلى المالك أمن من عبده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت الآية مع ما قبلها انتظام الترقي؛ فإن الربوبية قد يُدَّعى شبهُها لبعض الخلق في المعنى المجازي، كما يقال: ربّ الدار وربّ الإبل؛ فجيء بوصف الملك ليقطع هذا الاشتراك ويقرر السلطان المطلق. ثم إن هذا الترتيب يخدم مقصد الاستعاذة من جهة أخرى؛ وهي أن المستعيذ إذا استحضر أن ربه ملك نافذ الأمر، علم أن الشيطان الذي يستعيذ منه إنما هو رعية من رعاياه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا بإذنه؛ فينقلب الخوف من العدو إلى ثقة بمالك العدو. وهي ممهدة لما بعدها؛ إذ من ثبت له الملك المطلق ثبت له استحقاق العبادة الذي يقرره الوصف الثالث.