مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
خُتمت السورة ببيان جنس الموسوِس؛ والمعنى عند جمهور أهل التفسير: أن هذا الوسواس الخنّاس فريقان: فريق من الجن، وفريق من الإنس؛ فمن الناس من يقوم في غيره مقام الشيطان في التزيين والإغواء بالقول المزخرف والصحبة المفسدة. وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}؛ فأثبت للإنس شياطين كما أثبت للجن. وذكر أهل التفسير في إعراب الآية ومحلها وجهين مشهورين: أن تكون بياناً للوسواس نفسه، فيكون المستعاذ منه صنفين؛ وأن تكون بياناً للفظ {النَّاسِ} في قوله {صُدُورِ النَّاسِ}، فيكون المراد أن الموسوَس في صدورهم يشمل الجن والإنس جميعاً؛ فيوسوس للجني كما يوسوس للإنسي. وقرر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية أن الوجه الأول أظهر وأجرى على السياق؛ لأن الكلام مسوق لبيان المستعاذ منه لا لبيان المستعاذ له، ولأن ذكر الجنسين بعد ذكر الوسوسة يفيد قسمة المفسدين قسمة حاصرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية بناء السورة على تمامه: ثلاث آيات في المستعاذ به، وثلاث في المستعاذ منه؛ وكان آخر ما ذُكر هو مصدر الشر؛ لأنه آخر ما يحتاجه المحترز بعد أن عرف عدوه وعرف فعله. وفي ختم السورة بلفظ {النَّاسِ} ــ وهو اللفظ الذي دارت عليه السورة كلها ــ ردّ لآخرها على أولها؛ فقد افتُتحت بالناس مربوبين مملوكين معبَّدين، وخُتمت بالناس وفيهم من صار أداة للوسوسة؛ فتبين أن الجنس الواحد يسع الطرفين: من التجأ إلى ربه فسلم، ومن صار شيطاناً لغيره فهلك وأهلك. وهذا الختام يتصل بسورة الفلق اتصالاً محكماً؛ فقد بُدئ هناك بالاستعاذة من شرّ مخلوق ظاهر، وخُتم هنا بالاستعاذة من شرّ مخلوق خفيّ ومن شرّ مخلوق مشاهَد معاً؛ فاستوفت السورتان جهات الأذى كلها.