وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
هذا آخر الشرور الثلاثة وخاتمة السورة. والمعنى عند أئمة التفسير: ومن شر ذي الحسد إذا تحرك حسده وعمل بمقتضاه من تمني زوال النعمة عن المحسود والسعي في إزالتها بقول أو فعل أو نظر. والحسد عند أهل العلم: تمني زوال نعمة الله عن الغير؛ فإن اقترن به السعي في إزالتها كان أشد. وذكر المفسرون أن الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء وفي الأرض: حسد إبليس لآدم عليه السلام، وحسد أحد ابني آدم لأخيه. وذهب كثير من أهل التفسير إلى أن العين داخلة في هذه الاستعاذة؛ لأن العائن حاسد ينظر بعين الحسد فيقع الأثر بإذن الله؛ وقد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الطب في باب العين حق، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن ختم السورة بالحسد مناسب؛ لأنه أصل كثير من الشرور المتقدمة، إذ الساحر إنما يحمله على فعله الحسد غالباً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بالحسد؛ وهو أنسب ما تُختم به؛ لأنه أخفى الشرور مصدراً وأعمّها وقوعاً وأبعدها عن الاحتراز؛ فالليل يُتقى بالاستتار، والسحر قد يُعرف فاعله ويُتحرز منه، والحسد خاطر في قلب لا سبيل إلى الاطلاع عليه ولا إلى مطالبة صاحبه. ثم إن الحسد جامع لما قبله؛ فإن النافثات في العقد إنما يحملهن على السحر حسد أو أجرة من حاسد؛ فصار الشر الأخير أصلاً لما تقدمه، فحسن أن يُختم به ليرتد أول السورة على آخرها. وبهذا الختام يتم بناء السورة: التجاء إلى ربّ الفلق، ثم استعاذة عامة، ثم ثلاثة شرور مرتبة من الأظهر إلى الأخفى؛ فتكون السورة قد استوعبت جهات الأذى الخارج عن العبد، لتأتي بعدها سورة الناس فتستوعب جهة الأذى الداخل في صدره.