مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ
مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ
بعد استيفاء أوصاف المستعاذ به جاء بيان المستعاذ منه؛ والمعنى عند أئمة التفسير: من شرّ الشيطان الذي يوسوس ويلقي في القلوب، الكثير الخنوس والانقباض إذا ذُكر الله. و«الوسواس» في كلام العرب: الصوت الخفي والحديث الخفي؛ سُمّي به الشيطان مبالغة، كأنه صار عين الوسوسة لملازمته إياها. و«الخنّاس» صيغة مبالغة من الخنوس، وهو التأخر والاستتار والانقباض بعد الظهور. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قوله: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس»؛ أورده الطبري في «جامع البيان» بإسناده عند تفسير هذه الآية، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند سورة {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ»، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ»؛ فدلّ على ملازمة هذا العدو لكل أحد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء المستعاذ منه واحداً في مقابل ثلاثة أوصاف للمستعاذ به؛ وهذا التفاوت مقصود في النظم: فقد ذُكرت في سورة الفلق أربعة شرور بوصف واحد للمستعاذ به، وذُكر هنا شر واحد بثلاثة أوصاف؛ لأن هذا الشر وحده يعدل تلك الشرور كلها في الخطر؛ إذ هو الذي يقصد الدين، وتلك تقصد البدن والمال والحال. وقد قُدّم في هذه الآية اسم العدو ووصفه اللازم قبل بيان فعله في الآية بعدها وجنسه في الآية الأخيرة؛ وهو ترتيب المعرفة الذي يحتاجه من يريد الاحتراز: أن يعرف من عدوه أولاً، ثم ماذا يصنع، ثم من أين يجيء. وفي وصفه بـ{الْخَنَّاسِ} مباشرة بعد الأوصاف الثلاثة لطيفة نظمية؛ إذ ذُكر ضعفه عقب ذكر عظمة من يُستعاذ به؛ فتقابل السلطان النافذ بالانقباض الذليل.