قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
افتُتحت السورة بأمر النبي ﷺ أن يعلن اعتصامه بربه والتجاءه إليه؛ والمعنى عند أئمة التفسير: قل يا محمد: ألتجئ وأعتصم وأمتنع بربّ الفلق. وقد اختلفت عبارات السلف في {الْفَلَقِ} على أقوال يجمعها أصل واحد هو الانشقاق والانفلاق؛ فأشهرها وأكثرها عن أهل التأويل أن الفلق هو الصبح؛ لأن الليل ينفلق عنه فيخرج النور من الظلمة، وهذا القول عزاه الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية إلى جماعة من السلف ورجّحه. والقول الثاني: أن الفلق كل ما يفلقه الله ويشقه؛ من الحبّ والنوى والأرحام والأرض بالنبات والسحاب بالمطر؛ وهو قول من رأى حمل اللفظ على عمومه. والمعنى على القولين متلاق؛ لأن فلق الصبح أظهر أفراد ما يفلقه الله، فمن حمله على العموم دخل فيه الصبح، ومن خصّه بالصبح فقد اختار أجلى الأمثلة وأدومها للناس. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن اختيار هذا الوصف في مقام الاستعاذة مناسب؛ لأن من قدر على إخراج النور من الظلمة قادر على إخراج المستعيذ من كل ضيق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مقدمة لازمة لما بعدها؛ إذ لا يستقيم ذكر المستعاذ منه قبل تعيين المستعاذ به؛ فبُدئ بالملجأ ثم ذُكرت الشرور. وفي تقديم {أَعُوذُ} على متعلقه ترتيب طبيعي: فعل الالتجاء أولاً، ثم جهته ثانياً، ثم المستعاذ منه ثالثاً؛ فينتقل السامع من الحال إلى الجهة إلى الباعث. وموقع السورة بعد الإخلاص مناسب لهذا الافتتاح؛ فإن الإخلاص عرّفت المستعاذ به بأوصافه الذاتية، فجاءت الفلق تخاطب من عرفه فتقول له: التجئ إليه. ثم إن الاقتصار هنا على وصف واحد للمستعاذ به سيتبعه في سورة الناس ثلاثة أوصاف؛ لأن الشر هناك أخفى وأخطر؛ فبناء السورتين قائم على تناسب عدد الأوصاف مع درجة الخطر.