مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
هذه أول ما استُعيذ منه، وهي استعاذة عامة جامعة. والمعنى عند أئمة التفسير: من شر جميع ما خلق الله من إنس وجن وهوامّ ودوابّ وسائر ما يقع منه أذى. وأشار المفسرون إلى أن الاستعاذة وقعت من «الشر» المضاف إلى المخلوق، لا من المخلوق نفسه؛ فليس كل مخلوق شراً، ولا في المخلوقات ما هو شر محض في ذاته؛ وإنما يُستعاذ من الجهة التي يقع منها الأذى. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المراد بالعموم استغراق كل ما يمكن أن يصيب العبد من شر مخلوق، وأن ما ذُكر بعده من الشرور الثلاثة داخل في هذا العموم وإنما أُفرد بالذكر لشدة الحاجة إلى التنصيص عليه. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا العموم شامل لشر النفس وشر العمل وشر سائر المخلوقات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء العموم أولاً قبل التخصيص؛ وهو الترتيب المحكم في مقام الطلب؛ لأن المستعيذ لو بدأ بالمخصوص لخُشي أن ينحصر طلبه فيما ذكر، فإذا بدأ بالعام أحاط بكل ما يمكن أن يعرض له، ثم جاء التخصيص بعده تنويهاً لا تضييقاً. وقد جاءت هذه الآية معطوفة على فعل الاستعاذة في الآية الأولى مباشرة؛ فارتبط أولها بآخرها ارتباط الفعل بمتعلقه، فصارت الآيتان جملة واحدة في المعنى. ثم إن هذا العموم مهّد للآيات الثلاث بعده تمهيداً لطيفاً: فإن ذكر الجملة ثم تفصيل بعض أفرادها يجعل النفس تتلقى المفصّل وهي مستحضرة أنه من جنس ما تقدم، فتزداد به عناية.