وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ
وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ
هذا الشر الثاني من الشرور الثلاثة المخصوصة. والمعنى المحرر عند أئمة التفسير: ومن شر السواحر اللاتي يعقدن العقد في الخيوط وينفثن عليها بالرقى المحرّمة، يقصدن بذلك إيقاع الأذى بالمسحور. وقد ذكر المفسرون أن النفث نفخ لطيف يصحبه شيء من الريق، وأن السحرة يتخذون العقد محلاً لفعلهم على وجه معروف من صنعتهم. وأشار القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية إلى أن السحر له حقيقة وأثر بإذن الله، وأن الاستعاذة منه دليل على وقوعه؛ إذ لا يُستعاذ من معدوم. وقد ثبت في الصحيحين ما يشهد لوقوع السحر على وجه الجملة؛ فأخرج البخاري في صحيحه في كتاب الطب في باب السحر، ومسلم في صحيحه في كتاب السلام، عن عائشة رضي الله عنها خبر سحر لبيد بن الأعصم للنبي ﷺ، وأن الله أطلعه على ذلك وعافاه منه. وخُصّ النساء بالذكر بصيغة التأنيث لغلبة تعاطي هذه الصنعة فيهن في ذلك العهد، وقيل: المراد النفوس أو الجماعات النفاثات فيدخل فيه الرجال والنساء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية وسطاً بين الغاسق والحاسد؛ وهو موضعها الطبيعي في سلّم الخفاء: فالليل ظلمة تُرى، والحسد خاطر لا يُرى، والسحر بينهما؛ إذ له صورة عمل يقع من فاعل معلوم الجنس، ولا يُدرك وقت وقوعه ولا كيفية أثره. ثم إن في ترتيبها بعد الغاسق مناسبة أخرى؛ فإن السحرة إنما يتحيّنون الليل غالباً لفعلهم، فذكر ظرفهم قبل ذكر فعلهم. وهذه الآية ــ مع ما بعدها ــ تكشف عن بناء السورة: أن الشرور المخصوصة تشترك في أن العبد لا يملك دفعها بحيلته؛ فمن أُصيب في ظلمة لم يبصر، ومن سُحر لم يعلم، ومن حُسد لم يجد على الحاسد سبيلاً؛ فناسب أن يُحال في الثلاثة على الالتجاء وحده.