وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
هذا أول الشرور الثلاثة المخصوصة بعد العموم. وأكثر ما جاء عن السلف في {غَاسِقٍ} أنه الليل إذا أظلم وأقبل بظلامه، و{وَقَبَ} أي دخل وغاب في كل شيء وعمّ بظلمته؛ وهذا قول جمهور أهل التأويل، ونقله الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن جماعة منهم ورجّحه. وقيل: {الْغَاسِقِ} القمر إذا خسف؛ ويشهد لهذا القول ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ نظر إلى القمر فقال: «يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ». وجمع المحققون بين القولين بأن القمر آية الليل وعلامته، فالإشارة إليه إشارة إلى وقته؛ فيرجع القولان إلى معنى واحد وهو الاستعاذة من شر ما يعرض في ظلمة الليل. ووجه تخصيص الليل بالذكر: أن الليل مظنة انتشار الهوامّ وخروج أهل الفساد وسكون الحركة عن الاستنصار؛ فالحاجة إلى التحصين فيه أشد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بُدئ بالغاسق في تفصيل الشرور الثلاثة؛ لأنه أظهرها للحس وأدناها إلى تصور السامع؛ فالليل يشهده كل أحد ويعرف ما يعرض فيه من مخاوف. ثم يتدرج بعده إلى ما هو أخفى: النفث في العقد، ثم خاطر الحسد في القلب؛ فالترتيب صاعد في الخفاء نازل في إمكان الاحتراز. وفي هذا الترتيب مناسبة أخرى للآية الأولى: فقد افتُتحت السورة بـ{رَبِّ الْفَلَقِ} وهو الصبح المنشق عن الظلمة؛ ثم جاءت الاستعاذة من ظلمة الليل؛ فوقع بين المستعاذ به والمستعاذ منه تقابل بديع: يُستعاذ بربّ النور من شر الظلمة؛ وهذا من إحكام النظم الذي يجعل مطلع السورة دليلاً على استجابة ما فيها.