فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ
فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ
ختم الله سبحانه السورة بوصف حالها في العذاب؛ والمعنى: في عنقها حبل من ليف مفتول شديد الفتل، تُقاد به إلى النار أو تُشد به على ما تحمله. وقد اختلف أهل التأويل في تعيين هذا الحبل على أقوال متقاربة: فقيل: هو حبل من ليف كانت تحمل به الحطب في الدنيا، فتُعذب به في الآخرة على هيئتها التي كانت عليها. وقيل: هي سلسلة من نار طولها سبعون ذراعاً تُدخل من فيها وتخرج من دبرها. وقيل: المسد الحديد؛ لأنه يُمسد أي يُلوى ويُفتل.
ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في «المسد»، وأن أصله في كلام العرب ما فُتل وأُحكم فتله من ليف أو غيره. وذكر أهل التفسير أن أم جميل كانت لها قلادة نفيسة من جوهر، وأنها قالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد؛ فكان جزاؤها أن جُعل في موضع تلك القلادة حبل من مسد؛ فبدلت زينة العنق بغلٍّ فيه. وقد ذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة هذا المعنى في وجه المناسبة بين ما بذلت وما جوزيت به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للسورة، وهي متممة للصورة التي بدأت في الآية قبلها؛ فقد ذُكرت حاملة للحطب، فذُكر هنا ما تُشد به وما يكون في عنقها؛ فاكتملت الهيئة: امرأة تحمل حطباً وفي عنقها حبل. وهذه الصورة الحسية المتكاملة هي أبلغ ما تُختم به سورة قامت على تصوير حال العناد ومآله.
ومن دقيق النظم أن العنق ــ وهو موضع القلادة والزينة ــ جُعل موضع الحبل؛ فقُوبل ما كانت تتزين به بما تُعذب به؛ وجُعل الجزاء في الموضع الذي منه كان الافتخار. ثم إن اختيار لفظ {جِيدِهَا} دون «عنقها» يُقيم هذه المقابلة؛ إذ «الجيد» لا يكاد يُستعمل إلا في مقام ذكر الحلي والحسن؛ فوضع الحبل في موضع الحلي أشد في التصوير من وضعه في مطلق العنق.
وبهذا الختام تعود السورة إلى ما بدأت به؛ فقد بدأت بخسران اليدين ــ وهما أداة الفعل ــ وختمت بحبل في الجيد ــ وهو موضع الزينة ــ؛ فاستوعبت من الرجل أداة سعيه ومن المرأة موضع فخرها؛ وجُعل كل منهما محلاً للجزاء.