مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
لما حُكم عليه بالخسران في الآية الأولى، جاءت هذه الآية تُسقط الأسباب التي كان يعتمد عليها ويظن أنها تدفع عنه؛ والمعنى: لم يدفع عنه ماله ولا ما اكتسبه شيئاً من العذاب، ولم يغن عنه غناء. وكان أبو لهب من موسري قريش وأهل الجاه فيها؛ فكان يرى أن ماله وولده وحسبه تكفيه، وكان يقول ــ فيما نقله أهل التفسير ــ: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإني أفتدي منه بمالي وولدي؛ فأنزل الله هذه الآية تُبطل ظنه.
واختلف أهل التأويل في المراد بـ{وَمَا كَسَبَ} على قولين: فقيل: هو ولده؛ لأن ولد الرجل من كسبه؛ ويشهد لهذا الأصل ما رواه أبو داود في سننه في كتاب البيوع والإجارات، والترمذي في جامعه، والنسائي في سننه، وابن ماجه في سننه، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه». وقيل: المراد ما اكتسبه من الأرباح والتجارات والجاه والرياسة في قومه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين معاً، والمعنى على كليهما متقارب؛ إذ المقصود إسقاط كل ما يُتوهم أنه ناصر أو دافع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد الحكم بالخسران لتسد باب الاعتراض قبل أن يُفتح؛ فإن السامع إذا سمع الحكم على رجل موسر ذي جاه وولد بادر إلى نفسه سؤال: وكيف يخسر ومعه ما معه؟ فجاء الجواب مباشرة بنفي أن يكون في ذلك كله غَناء.
وتقدَّم ذكر المال على ذكر الكسب؛ لأن المال هو الأصل الحاضر الموروث والمجموع، والكسب فرع عنه ونتيجة سعي؛ فبُدئ بالأعم الأظهر ثم عُطف عليه ما دونه في الظهور. وجاء الفعل بصيغة الماضي {مَا أَغْنَىٰ} مع أن العذاب لم يقع بعد؛ وهذا من تنزيل المستقبل المحقق منزلة الواقع؛ فكأن الأمر قد انقضى وفُرغ منه، وهو أبلغ في قطع الرجاء من صيغة المستقبل.
ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها تمهيداً محكماً؛ إذ بعد أن نفت عنه كل ناصر لم يبق إلا أن يُذكر مصيره؛ فجاءت الآية الثالثة تذكره؛ فانتظم الترتيب: حكم، ثم إسقاط للأسباب، ثم بيان المآل.