تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بالحكم على رجل بعينه من أشد الناس أذى لرسول الله ﷺ؛ والمعنى: خسرت يدا أبي لهب وخابتا وهلكتا، وخسر هو في نفسه وخاب. وسبب نزولها ما رواه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير عند تفسير هذه السورة، وفي كتاب المناقب، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صعد النبي ﷺ ذات يوم على الصفا فقال: «يا صباحاه»، فاجتمعت إليه قريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
وأبو لهب هذا هو عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ، وكان أشد الناس عليه وأكثرهم تتبعاً له في الأسواق والمواسم يكذبه ويرميه بالحجارة ويقول للناس: لا تصدقوه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى {تَبَّتْ} خسرت وخابت، وأن العرب تقول: تبّ فلان إذا خسر وهلك. وقيل: {تَبَّتْ} دعاء عليه، و{وَتَبَّ} خبر بوقوع ما دُعي به؛ وقيل: الأولى إخبار عن الماضي والثانية إخبار عن المستقبل المحقق؛ والقولان مؤداهما واحد في تحقق الخسران. وأما ذكر «اليدين» فجرى على عادة العرب في التعبير عن الشخص بجارحته التي بها يبطش ويعمل؛ فإن اليد آلة الكسب والفعل والدفع، وقد كان يرمي النبي ﷺ بيده ويسعى في أذاه بها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن تُبدأ السورة بالفعل {تَبَّتْ} مقدَّماً على فاعله؛ لأن المقام مقام حكم لا مقام تعريف بالمحكوم عليه؛ فقُدِّم الحكم ليقع في السمع أولاً، ثم ذُكر من وقع عليه. ولو قُدِّم الاسم لكان الكلام في معرض الإخبار عن شخص، وقد أُريد أن يكون في معرض إنفاذ قضاء.
وجاء ذكر «اليدين» أولاً ثم ذكر ذاته ثانياً {وَتَبَّ}؛ فتدرَّج النظم من الأداة إلى صاحبها؛ لأن الذي بُدئ به هو ما بُدئ منه الأذى؛ فقد قال حين سمع الإنذار ما قال، ورمى وسعى؛ فخُصَّت آلة الفعل بالذكر ثم أُلحقت بها الجملة. وفي هذا الترتيب مقابلة لما جرى منه: خسران فيما عمل، وخسران في نفسه.
ثم إن موقع السورة من التي قبلها ــ وهي النصر ــ ظاهر؛ فقد ذُكر هناك دخول الناس في دين الله أفواجاً، وذُكر هنا من بقي خارجاً عن ذلك الدخول وحده لا ينفعه قربه ولا نسبه؛ فتجاور السورتين يعرض نهايتي الطريقين.