وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
لما ذُكر مصير الرجل أُلحقت به شريكته في الأذى؛ والمعنى: وستصلى امرأته النار كذلك، وهي الموصوفة بحمل الحطب. وامرأته هي أم جميل بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وكانت من أشد الناس عوناً لزوجها على أذى رسول الله ﷺ وتحريضاً له عليه.
واختلف أهل التأويل في معنى {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} على قولين مشهورين، وكلاهما مروي عن السلف:
القول الأول: أنها كانت تحمل الشوك والحسك فتطرحه في طريق رسول الله ﷺ ليؤذيه في مشيه؛ فوُصفت بفعلها الذي كانت تعرف به. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذا القول عن جماعة من أهل التأويل.
القول الثاني: أن «حمل الحطب» كناية عن النميمة والسعي بين الناس بالإفساد؛ إذ تقول العرب لمن يمشي بالنميمة: «يحطب على ظهره»، و«فلان يحمل الحطب الرطب» أي يوقد نار العداوة بين الناس؛ فوُصفت بذلك لأنها كانت تنقل الكلام وتحرش بين النبي ﷺ وقومه.
والقولان لا يتنافيان؛ فقد تكون جامعة بين الأمرين: أذى في الطريق بيدها، وأذى في المجالس بلسانها؛ فوُصفت بلفظ يحتملهما جميعاً. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة القولين، وأن معنى الآية على كليهما ذم لها بما كانت تصنع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر امرأته معطوفاً على مصيره لا في جملة مستأنفة؛ فأفاد أنها شريكته في المآل كما كانت شريكته في العمل؛ فمن شارك في السبب شارك في النتيجة. وفي هذا العطف لطيفة: أنها لم تُذكر باسمها ولا بنسبها ــ وكانت من بيت شريف في قريش ــ بل ذُكرت بإضافتها إلى زوجها ثم بوصف فعلها؛ فأُسقط عنها ما تعتز به من النسب، وبقي لها ما اكتسبته بيدها ولسانها.
ثم إن ذكر «الحطب» في هذا الموضع بعينه بديع في النظم؛ إذ تقدم ذكر النار في الآية قبلها، والحطب مادتها؛ فارتبطت الآيتان برباط من المعنى: نار تُذكر، ثم من كانت تحمل ما يوقدها؛ فصار جزاؤها من جنس عملها في اللفظ كما هو من جنسه في المعنى: كانت تحمل ما يؤذي، فحُملت إلى ما يحرق.
وموقع هذه الآية بعد الثلاث قبلها يُتم بناء السورة؛ فقد بدأت بالرجل وحده، ثم أُسقطت أسبابه، ثم بُيّن مصيره، ثم أُلحقت به شريكته؛ فاستوعبت السورة طرفي البيت الذي كان مركز الأذى.