فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
هذه الآية جواب الشرط الذي انتُظر منذ مطلع السورة؛ والمعنى: فإذا وقع ذلك كله فنزِّه ربك عن كل نقص، وأثنِ عليه بما هو أهله، واطلب منه المغفرة؛ إنه كثير الرجوع على عباده بالقبول والرحمة. وقد فهم الصحابة من هذه الآية معنيين لا يتنافيان: معنى ظاهراً هو الأمر بالشكر عند النعمة؛ ومعنى بالإشارة هو الإعلام باقتراب الأجل. وقد تقدم ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند تفسير هذه السورة من مجلس عمر رضي الله عنه مع أشياخ بدر، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، وموافقة عمر له.
وقد كان النبي ﷺ يمتثل هذه الآية في عبادته؛ فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»؛ يتأول القرآن. أي يعمل بما أُمر به في هذه السورة. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية هذا الحديث وبيَّن أن معنى «يتأول القرآن» أنه يمتثل ما أُمر به فيه. وفي هذا دليل على أن الأمر في الآية لم يكن مقصوراً على وقت الفتح، بل جعله النبي ﷺ ذكراً دائماً في أشرف مواضع الصلاة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب في هذه الآية على غير ما تتوقعه النفوس؛ فإن مقتضى العادة أن يُقال بعد ذكر النصر والفتح ودخول الناس: فقد تم أمرك، أو فاشكر نعمة ربك بالإعلان والابتهاج. فلما جاء الجواب بالتسبيح والاستغفار انكسر التوقع، ونُقل السامع من مقام الظفر إلى مقام العبودية؛ وهذا هو موضع الإحكام في نظم السورة.
ورُتبت الأوامر الثلاثة ترتيباً معنوياً دقيقاً: بدأ بالتسبيح وهو تنزيه الرب عن كل نقص؛ لأن أول ما يجب عند رؤية النعمة أن يُنفى عن المنعم كل ما لا يليق، وأن يُعلم أن ما جرى وقع بحكمة تامة. ثم ثنى بالحمد وهو الثناء بالكمال؛ فبعد التنزيه يأتي الإثبات. ثم ثلَّث بالاستغفار؛ لأن العبد إذا نظر في جانب ربه رأى كماله، وإذا نظر في جانب نفسه رأى تقصيره؛ فكان الاستغفار خاتمة النظر في الجهتين.
ثم خُتمت السورة بجملة تعليلية تحمل على المبادرة إلى ما أُمر به: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}؛ فلم تُترك النفس بعد الأمر بالاستغفار في خوف، بل فُتح لها باب الرجاء بوصف من أوصافه سبحانه ثابت لم يزل. وبهذا تكون السورة قد بدأت بالنصر وانتهت بالتوبة؛ وبين الطرفين المسار الذي أرادت أن تسلكه بقلب المؤمن.