إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
هذه الآية جواب عن الطعن الذي نالت به قريش رسول الله ﷺ، والمعنى: إن مبغضك أيها الرسول والعائب لك هو المنقطع عن كل خير، المقطوع الذكر والعقب والأثر، لا أنت. وقد ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أن رجالاً من قريش كانوا إذا مات ولد النبي ﷺ من الذكور قالوا: قد بُتر محمد، فلا عقب له، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه؛ فأنزل الله هذه السورة رداً عليهم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في تعيين القائل، وتعددت الروايات في تسمية بعض صناديد قريش؛ ومدار الأقوال على أن نزولها في واحد منهم أو في جماعتهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فاللفظ جاء بوصف عام هو «الشانئ»، ولم يأتِ باسم علم؛ فدخل فيه كل مبغض للنبي ﷺ إلى قيام الساعة. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة إلى أن الآية عامة في كل من عادى النبي ﷺ وأبغض ما جاء به، وأن هذا هو مقتضى إيراد اللفظ بصيغة الوصف لا بصيغة العَلَم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للسورة بعد تقرير العطاء والأمر بالشكر؛ فكان ترتيبها في الموضع الذي لا يليق بها سواه. وذلك أن الطعن لو رُدَّ ابتداءً لصار الكلام مقابلة ومخاصمة، فلما تأخر الرد إلى آخر السورة صار حكماً صادراً بعد ثبوت الحيثيات: ثبتت الكثرة للنبي ﷺ في الأولى، وثبت له مقام العبودية الخالصة في الثانية، فجاء الحكم في الثالثة على الخصم بمقتضى ما تقدم.
وهي مع ذلك جواب عن سؤال تقديري يتحرك في نفس السامع بعد الآيتين: فما شأن من رماه بالبتر؟ فجاء الاستئناف البياني يقطع هذا التساؤل بجواب مؤكد محصور. وفي الآية أيضاً رد الوصف على قائله؛ وهو أسلوب في المحاجّة يُسمى المقابلة بقلب الدعوى، وهو أشد على الخصم من مجرد النفي؛ إذ لا يكتفي بإسقاط دعواه بل يجعلها عليه.