فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ
هذه خاتمة الوقعة ومآل القوم؛ والمعنى: فصيّرهم ربك بذلك الرمي كورق الزرع اليابس المتفتت الذي أكلته الدواب فداسته ومزّقته. و«العصف» عند أهل اللغة والتفسير: ورق الزرع وما يتفتت منه؛ قال الفراء في معاني القرآن في تفسير هذه الآية: «العصف: أطراف الزرع قبل أن يُدرك ويُسنبل»؛ وقال جماعة: هو التبن، وقال آخرون: هو قشر الحبّ إذا أُخرج منه لبّه فبقي أجوف. و{مَّأْكُولٍ}: قيل هو الذي أكلته الدواب فراثته فتفرّق وتفتّت، وقيل: هو الذي أُكل حبّه فبقي فارغاً لا لبّ فيه. والأقوال متلاقية في تصوير الهيئة: أجسام متمزقة متفرقة قد ذهب ما فيها من قوام. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الله أهلكهم واستأصلهم وردّ كيدهم في نحورهم، وأن في ذلك حفظاً لبيته وتعظيماً له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة تجمع أطراف السورة وتُغلق دائرتها؛ فقد بدأت بالسؤال عن كيفية الفعل {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، وانتهت ببيان صورة الفعل {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}؛ فردّ العجز على الصدر، وأُجيب الاستفهام الذي فُتحت به السورة. ولفظة {جَعَلَ} هنا تقابل {يَجْعَلْ} في الآية الثانية مقابلة محكمة: جعل كيدهم في تضليل، ثم جعل أصحاب الكيد كعصف؛ فبطل التدبير أولاً ثم بطل المدبِّرون. ثم إن هذه الخاتمة تصلح مقدمة لما بعدها من سورة قريش؛ إذ إن حفظ البيت وإهلاك قاصديه هو الذي أورث قريشاً الأمن الذي به قامت رحلتاهم؛ ولهذا وثّق أهل التفسير الصلة بين السورتين حتى ذهب بعضهم إلى شدة تلاحمهما.