تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ
تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ
هذا وصف لفعل تلك الطير؛ والمعنى: ترميهم تلك الطير بحجارة من طين متحجّر شديد. وقد اختلف أهل التفسير في {سِجِّيلٍ} على أقوال متقاربة: فذهب جماعة إلى أنه الطين المتحجّر الشديد؛ قال الفراء في معاني القرآن عند تفسير هذه السورة إنه «كالآجُرّ مطبوخ من طين»؛ وذهب آخرون إلى أنه لفظ معرّب أصله كلمتان في لسان العجم معناهما الحجر والطين، فجُعلا كلمة واحدة؛ وقال بعض السلف: هو من «السِّجِلّ» وهو الكتاب؛ أي: من جملة ما كُتب وقُدِّر لهم من العذاب. والأقوال ترجع إلى معنى واحد في المآل: أنها حجارة مخصوصة معدّة للعقوبة، ليست من جنس ما يتناوله الناس من حصى الأرض. ونظير هذا اللفظ ما ورد في قوم لوط في قوله سبحانه: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ}؛ فاتحاد اللفظ في العقوبتين يشدّ أحد الموضعين بالآخر. وذكر أهل التفسير أنه بقي عند بعض أهل مكة من تلك الحجارة ما يُتوارث ويُشاهَد بعد الحادثة بزمن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت هذه الآية مع ما قبلها انتظام الصفة مع الموصوف؛ فبعد أن ذُكر الجند ذُكر سلاحه. وفي المجيء بالفعل المضارع {تَرْمِيهِم} بعد الأفعال الماضية سرّ بلاغي: فإن الماضي يُخبر عن أمر انقضى، والمضارع يستحضر الصورة كأنها واقعة الآن أمام السامع؛ فنُقل الخبر من التاريخ إلى المشاهدة، ليكون في النفس أوقع. ثم إن هذه الآية هي الفاصل بين مقدمات الحادثة وخاتمتها؛ فما قبلها تمهيد وما بعدها نتيجة؛ فجاءت في وسط السورة كما جاء الفعل الحاسم في وسط الوقعة.