أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
هذا شروع في تفصيل الفعل المجمل في الآية الأولى؛ والمعنى عند أئمة التفسير: ألم يجعل ربك مكرهم وتدبيرهم الذي دبّروه في هدم بيته في تضييع وإبطال، فلم يبلغوا منه شيئاً مما أرادوا ولم يصلوا إليه أصلاً. وذهب المفسرون في معنى {فِي تَضْلِيلٍ} إلى أنه الإبطال والتضييع؛ فأصل «التضليل» جعل الشيء ضالاً أي ضائعاً هالكاً لا يُهتدى إلى مقصوده. وقال بعض أهل التفسير: المعنى في خسار وتخسير؛ وقال بعضهم: في تضليل عن سبيل الكعبة حتى صُرفوا عنها؛ والمعاني متلاقية لا متعارضة، وجامعها أن سعيهم انقلب عليهم فلم يُنتج إلا ضده. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن التعبير بالجعل يفيد أن إبطال كيدهم كان بصنع الله وتقديره، لا بعائق طبيعي عارض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على نسق الأولى في صيغة الاستفهام التقريري؛ فتكرر القالب ليتكرر الإقرار، وليكون كل تقرير لبنة في البناء. وترتيبها بعد الآية الأولى ترتيب البيان بعد الإجمال: قيل أولاً {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، ثم بُدئ التفصيل بأول ما وقع من الفعل؛ وهو إبطال التدبير قبل إنزال العقوبة. وفي هذا الترتيب دقة؛ إذ لو قُدّم ذكر الطير لصار الخبر خبر إهلاك فحسب؛ أما تقديم إبطال الكيد فيجعل الإهلاك تتمة لخيبة سابقة عليه. ثم إن الآية تمهّد لما بعدها بواو العطف؛ فبعد أن ذُكر إبطال القصد ذُكرت آلة الإبطال.