وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ
هذا بيان الآلة التي أبطل الله بها كيدهم؛ والمعنى: وبعث عليهم ربك جماعات من الطير متتابعة يتلو بعضها بعضاً. والمأثور عن أهل التفسير في {أَبَابِيلَ} أنها الكثيرة المتتابعة؛ قال الفراء في معاني القرآن في تفسير هذه الآية: «كثيرة متتابعة، يتبع بعضها بعضاً كالإبل المؤبّلة»، وأنشد لامرئ القيس شاهداً على استعمال العرب هذا اللفظ في الطير. وذكر أهل السير في وصف هذه الطير أوصافاً مختلفة في لونها وقدرها؛ وليس منها ما يجب اعتقاده، والقدر الذي دلّ عليه النص هو الذي يُقتصر عليه: أنها طير أرسلها الله جماعات متتابعة. وقد أعرض المحققون من المفسرين عن الاستقصاء في وصفها؛ لأن القرآن أبهمها ولم يُعيّنها، وفي إبهامها من المهابة ما ليس في تعيينها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تقدّم في الآية قبلها ذكر إبطال الكيد مجملاً، فجاءت هذه الآية تكشف عن طريق الإبطال؛ فانتقل النظم من الأثر إلى السبب. وفي ترتيب الأخبار ملحظ دقيق: قُدّم إرسال الطير على ذكر الرمي والحجارة؛ ليعلم السامع أولاً أن الجند من جنس ما لا يُخاف منه، ثم يُفاجأ بأن هذا الجند الضعيف حمل أشد ما يُهلك. ثم إن الآية معطوفة على ما هو داخل في حيّز الاستفهام التقريري؛ فهي مقرَّرة كسابقتها، لا مستأنفة؛ وبهذا تنتظم الآيات الثلاث الأُول في سلك واحد من الإلزام: ألم ترَ، ألم يجعل، وأرسل.