لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بذكر «الإيلاف»؛ وهو مصدر «آلف يؤلف إيلافاً»، ومعناه: جعل الشيء مألوفاً معتاداً لا يُستوحش منه ولا يشقّ. والمراد ما جعله الله لقريش من ألفة الرحلتين وأمن الطريق حتى صارتا عادة لا تُستثقل. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} قال: «نعمته على قريش»، وعن مجاهد قال: «نعمتي على قريش»؛ أخرجهما ابن أبي حاتم في تفسيره عند تفسير هذه السورة. فجُعل الإيلاف نفسه موضع الامتنان؛ لا مجرد وقوع الرحلة، بل تيسيرها حتى ألِفوها. وذكر أهل الأخبار أن بني عبد مناف أخذوا لقومهم عهوداً من ملوك الأطراف، فكان كل واحد منهم يأمن في الرحلتين ويأمن بأمانه جميع قومه؛ ذكره البلنسي في تفسير مبهمات القرآن عند تفسير هذه السورة. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند افتتاح تفسير هذه السورة أنها سورة مستقلة بإجماع المسلمين، وأنها مكية عند جماهير العلماء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء مطلع السورة معلَّقاً غير تام بنفسه؛ فبدأ بلام وما بعدها، ولم يبدأ بفعل ولا اسم مسنَد إليه؛ فأورث السامع انتظاراً لا ينقضي إلا بالآية الثالثة. وهذا التعليق مقصود: فإن المقام مقام إقامة حجة، والحجة تُبنى بمقدمة ثم نتيجة؛ فقُدّمت المقدمة مجرورة معلَّقة لتبقى النفس مشدودة حتى تسمع ما يترتب عليها. وفي تقديم العلة على المعلول تلطف في التكليف؛ إذ لو بُدئ بالأمر لكان أمراً مجرداً قد تنفر منه النفس؛ فلما قُدّمت النعمة صار الأمر لاحقاً بها كأنه استحقاق لا إلزام طارئ. ومن جهة ما قبل: ختمت الفيل بمشهد الهلاك، وافتتحت هذه بذكر البقاء؛ فتقابل المشهدان.