إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): بيّنت هذه الآية ما أُجمل في التي قبلها؛ فذكرت متعلَّق الإيلاف وهو الرحلتان. جاء عن مجاهد في قوله: {إِيلَافِهِمْ} قال: «إيلافهم ذلك فلا يشقّ عليهم رحلة الشتاء ولا الصيف»؛ وعن قتادة قال: «عادةُ قريش رحلةٌ في الشتاء ورحلةٌ في الصيف»؛ وعن عكرمة قال: «كانت قريش تتّجر شتاءً وصيفاً؛ فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وأيلة إلى فلسطين يلتمسون الدفء، وأما الصيف فيأخذون قِبَل بُصرى وأذرعات يلتمسون البرد»؛ أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عند تفسير هذه السورة. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وبهما كانت تقوم معايشهم؛ ذكره ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل عند تفسير هذه السورة. والأقوال متقاربة لا متدافعة؛ فمرجعها إلى أن لهم رحلتين منتظمتين في فصلين متقابلين، اختلفت جهاتهما باختلاف الأزمنة والحاجات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بدلاً من الأولى لا معطوفة عليها؛ والبدل يفيد أن الثاني هو المقصود بالحكم وأن الأول توطئة له. فلما ذُكر الإيلاف مجملاً تعلّقت به النفس، ثم أُعيد مضافاً إلى ضميرهم مفسَّراً بمتعلَّقه؛ فحصل التقرير مرتين: مرة بالإجمال ومرة بالتفصيل؛ وهذا أوقع من ذكره مرة واحدة مفصّلاً؛ لأن الإجمال يُثير السؤال والتفصيل يُشبعه. ثم إن الآية تمهّد للأمر بعدها تمهيداً محكماً؛ إذ ذُكرت الرحلتان اللتان هما مادة معاشهم كله؛ فوقع الأمر بالعبادة موقعه من نفس من عرف أن قوام دنياه بيد من يُدعى إلى عبادته.