فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ
هذا جواب ما تقدم ونتيجته؛ والمعنى: فليُفردوا بالعبادة ربّ هذا البيت الذي أنعم عليهم بهذا الإيلاف. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ} قال: «الكعبة»؛ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عند تفسير هذه السورة. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير أول هذه السورة أن الجمهور على تعلق اللام في {لِإِيلَافِ} بهذا الفعل؛ فالمعنى: فليعبدوا رب هذا البيت لأجل إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. والفاء واقعة في جواب ما تضمنه المصدر المتقدم من معنى التعليل؛ فكأنه قيل: إن كان الأمر كذلك من إنعامنا عليهم فليعبدوا. والبيت هو الكعبة التي بها شرفهم وإليها أمنهم وعليها مدار حرمتهم عند العرب؛ فذُكرت في مقام إلزامهم؛ إذ لا يستطيعون إنكار أن للبيت ربّاً حماه، ولا أن الذي حماه ليس شيئاً مما نصبوه حوله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية عمود السورة وجوابها؛ فما قبلها مقدمة وما بعدها برهان. وقعت في موضعها بعد استيفاء المقدمة مرتين: بالإجمال ثم بالتفصيل؛ فلما تقرر عندهم الإيلاف جاء الحكم مرتباً عليه بالفاء. ثم عُقّبت بالوصف في الآية بعدها ليُحاط الأمر بموجبه من الجهتين: علةٌ سابقة وعلةٌ لاحقة؛ فصار محصوراً بين برهانين لا منفذ للنفس بينهما. ومن دقة النظم أن الأمر لم يُذكر فيه معبود باسمه العلم، بل ذُكر بوصف الربوبية مضافاً إلى البيت الذي هو مناط فخرهم؛ فأُخذوا من الجهة التي لا يستطيعون فيها المنازعة.