اللَّهُ الصَّمَدُ
اللَّهُ الصَّمَدُ
جاءت هذه الآية تفسيراً ثانياً للنسبة المسؤول عنها، وتقريراً لصلة الخلق بالخالق بعد تقرير حقيقته في نفسه. وقد اختلفت عبارات السلف في «الصمد» على وجوه متقاربة يجمعها أصلان: كمال السؤدد، وافتقار الخلق إليه؛ فرُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته». ورُوي عن جماعة من التابعين تفسيره بـ«الذي يُصمد إليه في الحوائج»؛ أي يُقصد ويُتوجه إليه في النوازل. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال وردّها إلى معنى القصد والسؤدد. وحكى ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية قول من فسّره بـ«الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب»، وبيّن أن مرجعه إلى كمال الغنى ونفي حاجات المخلوقين. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الوصف بالصمدية تكميل للأحدية بذكر ما يترتب عليها في معاملة الخلق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت هذه الآية مع ما قبلها انتظام الفرع مع أصله والأثر مع مؤثره: فالأحدية وصف في الذات، والصمدية وصف في الإضافة إلى الخلق؛ فالأولى تقطع طمع النظير، والثانية تقطع طمع الاستغناء. ولا يستقيم أن يتعدد الصمد المقصود في كل حاجة؛ إذ لو تعدد لتفرقت الوجهة ووقع التنازع. ثم إن هاتين الآيتين معاً تمهدان للنفي في الآيتين بعدهما؛ فمن كان أحداً صمداً امتنع عليه أن يلد أو يولد أو يكون له كفء؛ فصار مقطع الإثبات دليلاً على مقطع النفي، لا مجرد سابق له في الترتيب.