لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
انتقلت السورة من الإثبات إلى النفي؛ فنفت عنه سبحانه الولادة من الطرفين. والمعنى عند أئمة التفسير: لم يخرج منه ولد ولا صاحبة له فتلد له، ولم يخرج هو من شيء فيكون له أصل سابق ومبدأ. وهذا النفي جاء على وفاق السؤال؛ إذ سألوا عن نسب الرب، والنسب إنما يكون بالوالد والولد؛ فأُجيبوا بنفي طرفي النسب جميعاً. وقد ردّت الآية على طوائف من أهل الأرض: على مشركي العرب الذين زعموا الملائكة بنات الله، وعلى من قال من أهل الكتاب بالبنوة، وعلى من زعم من الأمم أن الآلهة تتوالد. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المراد نفي أن يكون له ولد كما تقول النصارى واليهود ومشركو العرب، ونفي أن يكون مولوداً كما تُنسب الآلهة المزعومة إلى أصول. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن تقديم نفي الولد على نفي الوالد لأنه المتنازع فيه بين الأمم، فبُدئ بموضع الخلاف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النفي في موضعه اللازم من بناء السورة؛ فإن الأحدية والصمدية إذا استقرتا نُقض بهما كل نسب؛ إذ الولادة تقتضي المماثلة في الجنس، والمماثلة تنقض الأحدية، وتقتضي الحاجة إلى الامتداد بالنسل، والحاجة تنقض الصمدية. فصارت الآية نتيجة منطقية لسابقتيها لا مجرد خبر مستأنف. وقُدّم {لَمْ يَلِدْ} على {وَلَمْ يُولَدْ} لأن دعوى الولد هي التي شاعت في الأمم وتعلقت بها قلوب، ودعوى كونه مولوداً لم يقل بها إلا شذاذ؛ فبُدئ بالأهم في مقام الرد. ثم إن هذه الآية تمهد للآية الرابعة؛ فإن نفي الولادة نفي لأخص صور المماثلة، وسيأتي بعده نفي المماثلة على وجه العموم.