وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
عطف الله سبحانه على الشرط الأول شرطاً ثانياً؛ والمعنى: وإذا أبصرت بعينك الناس يدخلون في دين الإسلام جماعات جماعات. وذكر أهل التفسير أن العرب كانت تتربص بإسلامها فتح مكة، وتقول: إن ظهر على قومه فهو نبي؛ لأن قريشاً أهل الحرم وسدنة البيت وأعرف الناس به؛ فلما فتح الله عليه مكة أقبلت وفود العرب من كل ناحية تدخل في الدين قبيلة بعد قبيلة؛ حتى سُمي العام الذي تلا الفتح «عام الوفود» عند أهل السير.
ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناها: ورأيت الناس يدخلون في دين الله جماعات. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه السورة ما كان من إقبال وفود العرب بعد فتح مكة، وأن ذلك مصداق ما أخبر الله به في هذه الآية. و{النَّاسَ} هنا عام أُريد به الكثرة الغالبة لا الاستغراق التام؛ إذ لم يدخل كل بني آدم، ولكن دخل من العرب ما صار به الإسلام دين الجزيرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معطوفة على فعل الشرط لتضيف إلى النصر والفتح أثرهما في الناس؛ فترتبت المذكورات على وجه محكم: نصر من الله، ففتح للباب المغلق، فدخول للناس في الدين. والأول غيب لا يُرى، والثاني حادث يُشاهد، والثالث ثمرة تُعاين؛ فتدرج النظم من المصدر إلى الأثر إلى نتيجة الأثر.
وعُدل عن الإخبار المجرد إلى إسناد الرؤية إلى النبي ﷺ: {وَرَأَيْتَ}؛ ولم يقل «ودخل الناس»؛ لتكون البشارة متعلقة بشخصه الكريم، وليعلم أنه سيبقى حتى يشهد ثمرة ما بُعث به بعينه لا بخبر يبلغه. وفي هذا من التطييب ما لا يخفى؛ إذ كان قد أُخرج من مكة مستخفياً، فوُعد أن يراها تدخل في الدين وهو ينظر.
ثم إن ذكر هذه الآية قبل الأمر بالتسبيح والاستغفار مقصود؛ فإن أشد ما يُخشى على النفس أن ينالها العجب عند رؤية الثمرة؛ فلما ذُكرت الثمرة عُقب ذكرها بما يقطع العجب من أصله.