فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
لما أخبر الله سبحانه نبيه ﷺ بما أعطاه من الخير الكثير، فرَّع على ذلك الأمر بشكره؛ والمعنى عند أئمة التفسير: فأخلص لربك صلاتك ونسكك. وقد اختلف أهل التأويل في تعيين المراد بالصلاة والنحر هنا على أقوال متقاربة يجمعها أصل واحد: فقال جماعة من السلف: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية؛ وقال آخرون: المراد الصلوات المكتوبة والنحر يوم النحر بمنى؛ وقال آخرون: المراد جنس الصلاة وجنس النسك جميعاً. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك، ورجَّح حمل الأمر على العموم؛ إذ لا دليل يخصص أحد الأنواع بعينه، واللفظ محتمل للجميع. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن مقصود الآية تخصيص العبادتين لله وحده لا شريك له، بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغيره والذبح لأصنامهم؛ فالآية عندهم في سياق التوحيد قبل أن تكون في سياق تفصيل الأحكام. ويشهد لهذا الأصل قوله تعالى في موضع آخر: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فقرن بين الصلاة والنسك وأخلصهما لله كما قرن بينهما هنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت هذه الآية مع ما قبلها انتظام المسبَّب مع سببه؛ فالفاء أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا أعطيناك هذا العطاء فقابله بالشكر. وفي هذا الترتيب تقرير لقاعدة قرآنية مطردة: أن النعمة تستدعي عملاً، وأن العمل المشروع في مقابلة النعمة عبادةٌ لا مجرد ثناء.
واختير من العبادات اثنتان بأعيانهما لأنهما تستوعبان جهتي التكليف: عبادة بدنية محضة هي الصلاة، وعبادة مالية يُراق فيها الدم هي النحر؛ فلا يبقى للنفس ولا للمال حظ خارج عن الشكر. ثم إن هاتين العبادتين هما اللتان زاولهما المشركون على وجه محرَّف: فكانوا يطوفون بالبيت ويصفِّرون ويصفِّقون ويسمونه صلاة، وكانوا ينحرون لأصنامهم عند أنصابهم؛ فجاء الأمر بهما مقيدين باللام الدالة على الاختصاص؛ فكان في الآية إقامة للعبادتين على أصلهما وإبطال لما دخلهما من الشرك، وهذا وجه دقيق في مناسبتها لسياق المواجهة مع قريش الذي قامت عليه السورة.