إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
هذا جواب القسم؛ والمعنى عند أئمة التفسير: إن جنس الإنسان لفي نقص وهلاك وخسارة في تجارته مع الله؛ إذ ينفق عمره ولا يُحصّل به ما ينجيه. واختلف أهل التأويل في المراد بـ {الْإِنسَانَ}: فقيل: هو الكافر خاصة، وسُمّي بعض المشركين في ذلك على وجه المثال. وقيل ــ وهو قول الجمهور والأليق بالسياق ــ: هو اسم جنس يعم كل إنسان؛ بدليل الاستثناء بعده؛ إذ لو أُريد الكافر خاصة لما صح استثناء المؤمنين منه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض ما دخل في اللفظ، والكافر لا يدخل فيه المؤمن حتى يُخرج. و«الخسر» ضد الربح؛ وهو نقص رأس المال. وقرر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الحكم متوجه إلى جنس الإنسان، وأن ما بعده من الاستثناء هو المخرج لأهل الإيمان من عمومه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية عمود السورة؛ فما قبلها توطئة لها وما بعدها استثناء منها. وجاء الجواب مؤكداً بثلاثة مؤكدات ــ القسم، و{إِنَّ}، واللام ــ مع أنه خبر عن أمر مشاهد لا يحتاج إلى كل هذا التوكيد في الظاهر؛ ووجه ذلك أن النفس الإنسانية شديدة الممانعة لهذا الحكم؛ إذ الأصل عندها تزكية نفسها وحسن الظن بحالها؛ فاحتيج من التوكيد إلى ما يقتلع هذا الاستقرار الوهمي من أصله. ثم إن تعقيب هذا الحكم العام بالاستثناء مباشرة من دقيق النظم؛ إذ لو تأخر الاستثناء لأورث اليأس؛ فجاء متصلاً به ليقترن الإنذار بالمخرج في نفَس واحد.